صندوق الماضي يفتح باب المستقبل
تعريف✓
هذه القصة ليست مجرد رواية طويلة، بل محاولة لإظهار كيف يمكن للأحداث الاجتماعية أن تتداخل مع حياة الناس اليومية: الإيجار، الصحة، العائلة، الهوية، والمكان الذي نُسميه "الوطن"
البداية✓
رائحة المطر في رصيف الحي
في صباح يبلُغ فيه الضوء أهدأ من خرير أصوات المخابز، خرجت نور من باب الشقة المطاطي، تلك الشقة التي تعادل في دفئها دفء قلبها حين تضيق الدنيا. الشارع الرطب يلمع كمرآة كبيرة، وفيها تعكس الواجهة الزجاجية للبنايات كل واحد منا كأنه جزء من لوحة معلّقة على حائط مدينة لا تنام. نور عملت في مركزٍ اجتماعي محلي يطابق بطاقتها مع اسمها: "نور أسمى"، نور التي تعرف أن الأسماء قد تكون أقوى من الحروف في وثائق البلد.
كانت المدينة في تلك الأيام تستيقظ على صدى جُمل الناس التي ترفض أن تستسلم: "التغيير لا يأتي بخلوة في زوايا المقاهي، بل بمشي على الأرض." قالها أحد العاملين في المكتبة القديمة حين سألته نور عن الكتب التي تتحدث عن حقوق السكان المسحوقين. وكانت المدينة أيضاً تئن من أجور الإيجار التي ترتفع كارتفاع درجات الحرارة في الصيف، من المحلات التي تُباع فيها الذكريات كأنها سلع، ومن العتمة التي ترقص عند أبواب حضارة لطالما وُصفَت بأنها عدالة اجتماعية.
نور تعيش مع أمها، أمينة، في عمارة قديمة تعيش فيها الأرواح قبل الجدران: صوت الثلاجة الذي لا ينام، صوت أمينة حين تتكلم من وراء شاشة جهاز الضغط، وحلم بسيط يتناسل من كل نافذة: أن تكون هناك فرصة لسكان الحي كي يستمروا في العيش هنا، بلا خوف من الطرد، بلا خوف من أن تُستبدل البيوت بمراكز تجارية تبيعها المدينة كأنها تعلن عن هدوء الليل. أم أمينة، الأم التي روت لنور قصص مدينة من قبل أن تتعلم نور الكلمات: كيف كان الرجال يحلمون بأن يخطوا خطاً نحو الأفضل، وكيف كان النساء يعلنّ بأن الحياة ليست صفقة مُغلقة.
توقفت نور أمام باب شقتها، فتحت عينيها على الظلال التي ترسمها أشجار الساحة على الأرض الرطبة. وصلها صوت أمينة من الداخل: "نورة، اشتري القليل من الخبز؟ الجو بارد اليوم." ردت نور بنبرة دافئة: "سأعود بعد قليل، ماما." وتذكّرت فجأة أنها في هذا اليوم ستجتمع مع عدد من سكان الحي في قاعة صغيرة بجانب المكتبة القديمة، حيث تُدار أمور الحي من قِبل لجنة شعبية يحوّلون الجلسة إلى مكان سماع قصص الناس.
صندوق في مكتبة الحي القديمة
في يومٍ هادئٍ من أيام الشتاء، قررت نور أن تزور مكتبة الحي القديمة التي تشرف عليها سيدة طاعنة في السن تُدعى أم سليم. المكتبة ليست مجرد مكان للقراءة، بل هي مركزٌ اجتماعي يلمّ شتات الحي حين تتوه الأمور. كانت المكتبة مليئة بالورق المخبأ في أرفف خشبية مرتخية، وبروائح ورق قديم يتحدث عن تاريخ من الحكايات والأسرار. دفعت نور الباب الخشبي، فُتحت لها رائحة ورقٍ ورملٍ وباب يفتح على عالم من القصص الواقعية.
عند الجهة الخلفية من المكتبة، كان هناك صندوق خشبي مَتْركٌ في زاويةٍ منزوٍ: صندوقٌ عليه طبقة من الغبار وبابٌ صغير يفتح بمزلاج. لم يكن صندوقاً عادياً؛ فالصندوق يحوي دفتر يومياتٍ مافعلاً من سنواتٍ مضت، كتبته امرأة تدعى ليلى، زوجة أحد أبناء الحي الذين كانوا في الماضي يعملون في مصنعٍ قديم ثم أغلقه الإغلاق. الورقة الأخيرة في الدفتر كتبت بخطٍ مائل: "إذا كنت تقرأين هذه الأسطر، فاعلمي أن الحي ليس مجرد جدار يحيطنا، بل هو تاريخ يَحتاج إلى من يوقف التدهور ويعيد له نبضه."
فتحت نور الدفتر بحذر؛ كانت مذكّرات ليلى تتحدث عن امرأة عجوز اسمها عائشة، التي عاشت في الحي نفسه، ودوّنت فيها الصعوبات التي واجهت المجتمع في تلك السنوات عندما اشتد سعر الإيجار وتضخمت المدينة بمشروعاتٍ لم تعود للناس العاديين فائدتها. تتبع نور في الصفحات كلمات تقطر حُراً: "كان هناك وعدٌ بأن المدينة ستبقى لنا، لكن الوعد ليس ضماناً." ومع كل صفحة، كان نور تشعر بوجود خيطٍ رفيع يربط الحاضر بالماضي، كأن الحي يهمس: "نحن بحاجة من يرسم صوتنا في وجه الظلم."
في إحدى الصفحات الباهتة، وجدت نور رسماً مبعثراً لخريطةٍ قديمة، تَظهر فيها مبانٍ صغيرة ضمن شبكة من الشوارع. وفي أحد الأماكن على الخريطة، كُتب بحروف مائلة: "المكان الذي تلتقي فيه الحقيقة." لم تفهم نور المعنى حينها، لكنها أخذت الخريطة معها، وأدركت أن لها علاقة بما يحدث الآن في الحي.
تظاهرة في قلب الحي
في مساءٍ قريب، اجتمع سكان الحي في القاعة الصغيرة بجانب المكتبة. كانت القاعة مزدحمة: الجدران تُمثّلها صور قديمة لأحداثٍ مرّت على المدينة، ووجوه الناس التي تتكرر دائماً في الحكايات: من يعملون في المهن الشريفة إلى من يعيشون في الظلال. الجلسة بدأت بمقدمة من أحد أعضاء اللجنة الشعبية، ثم أتيح لكل شخص أن يروي قصته. وتبادل الناس قصصهم عن الارتفاع الأخير في الإيجار، عن تأخر الرواتب، وعن صعوبات العيش في المدينة التي تبدو وكأنها تتنفّس من خلال شارعٍ واحد.
أثناء النقاش، ظهرت صورة رجلٍ في الأربعينيات من عمره على شاشة قديمة: "هذا هو السيد أيمن، وهو من سكان الحي، وهو منجم أسرار الحي." السيد أيمن كان يعمل في شركةٍ قامت ببناء مشروعٍ جديد على أنقاض مبانٍ قديمة في الحي، وهو المشروع الذي سيثير قلق الناس حتمياً: إخلاءاتٌ، ارتفاعٌ في التكاليف، واختفاءٌ للمساحات العامة التي اعتاد السكان وجودها. السيد أيمن قال: "يجب أن تتكلموا، يجب أن نضع حداً للطريق الذي تسير عليه المدينة؛ لا يمكن للمدينة أن تُباع كسلعة."
نور أخذت نفساً عميقاً، وبدأت تشارك قصص الناس. تحدثت عن أمينة التي لا تجد دواءً لوالدتها التي تعاني من أمراض مزمنة، عن شقيقها الذي يعمل ليلاً كعامل بناء لتوفير لقمة عيشٍ بسيطة، وعن جيران يعانون في صمت من ارتفاع تكاليف العيش. وأعلنت أنها ستسلّط الضوء على ما يحدث من خلال مدونتها الشخصية، ستكتب عن كل ما يتألم منه الحي، لتظهر الحقيقة إلى الناس خارج الحي.
بعد الجلسة، خرجت نور من القاعة مع خيطٍ من الأمل يربت على كتفيها، لكنها تعرف أن الأمل محكوم بعمل حقيقي. في ذلك المساء، أرسلت نور رسالةً إلى صديقها القديم، عمر، وهو صحفي معروف بقوة قلبه وجرأته في مواجهة الفساد. قالت له: "هناك قصص هنا، قصص تحتاج أن ترى الضوء. أريد أن أكتب عنها على مدونتي، لكني لا أريد أن أكون مجرد صوتٍ يصدر من بابٍ خلفي." عادها عمر برسالةٍ طويلة: "أنا جاهز لأجعل صوت الناس يصل إلى حدّ أقصى. لكن علينا أن نتحلى بالحذر وبشفافية."
صندوق الماضي يفتح باب المستقبل
في الأيام التالية، أخذت نور تكتب في مدونتها القصص التي روتها في القاعة، من قصص الأبناء إلى المهندسين الذين يعيشون في المنازل القريبة. أصبحت المدونة أكثر من مجرد صفحةٍ تقرأها؛ صارت صوتاً جماعياً يُلمّ شعث الحي ويضعه في فُرصٍ جديدة. وشيئاً فشيئاً، بدأ الناس يشاركونها تجاربهم: أمٌّ تقول إنها تخاف من إخلائها من المنزل الذي سكنت فيه لأجيال لأنها لم تجد مكاناً آخر، ومراهق يقول إنه يخاف من فقدان المدرسة التي كان يأمل أن يدرس فيها.
وفي ذلك الوقت، اكتشفت نور صندوقاً آخر في خزانة قديمة داخل منزل جدتها، صندوقاً يحتوي على رسائل ورسوم من زمنٍ بعيدٍ حين كان الحي مختلفاً: الأزقة كانت ضيقة، والأحاديث تدور حول بناء مدرسة جديدة، والمساحات العامة كانت حاضنةً للتجمعات. كان في الصندوق رسالة من رجلٍ يشير إلى أن هناك “خطةً لسكان الحي” وعلى نور أن تقرأها بعناية: "أنتِ نور، أنتِ صوت هذا الحي. لا تدعي أحداً يغلق باب الحكاية." وكتب في الرسالة اسم المدينة القديمة: "دلتا" كاسمٍ رمزي للحي.
قرأتها نور وتساءلت: هل هذه الرسالة تعني أن تاريخ الحي يمكن أن يكون طريقاً لتحقيق التغيير؟ ومع الوقت، وجدت نور أن هناك ترابطاً بين الخريطة التي عثر عليها في دفتر ليلى في المكتبة القديمة والصندوق الذي عُثر عليه في منزل جدتها. الخريطة تشير إلى مكانٍ محدد في العمق من الحي، وهو المكان الذي شهد بدايات الحي وبدايات الصراع حول من يقرر سياسات الحي. لم يكن هناك دليلٌ صريح بأن هذا المكان سيغيّر الواقع، لكنه بدا كإشارة أمل: ربما يجب على الحي أن يعود إلى جذوره، وأن يعيد التواصل بين أجياله.
يوم القرار
قررت اللجنة الشعبية تنظيم يومٍ خاص يتيح للناس تقديم اقتراحاتهم بشكلٍ رسمي، وتعلن عن إجراءاتٍ لحماية الساكنين من الإخلاء والطرد. اجتمعت نور مع عدد من السكان في المقهى الصغير المطلاً على الشارع الرئيسي. تحاوروا حول فكرةٍ جريئة: أن يتهدف المنتدى إلى أن تكون هناك "قائمة واقعية" للمَساكن الذين سيتم إخلاؤهم، وأن تكون هناك حلول بديلة نظرية وعملية للناس الذين فقدوا منازلهم.
أثناء ذلك، ظهر كاتبٌ من إحدى الصحف المحلية- كان عمر ذاته- واقفاً بجانب عند الباب يتابع النقاش. قال: "هذه قصة يجب أن تُروى كاملة. أريد أن أشرع في كتابة سلسلة تقارير عن الحي، مع صوت من كل بيت." سألته نور: "هل ستصدق مع الناس؟" قال: "سأُصدِق مع الناس، وسأعطيهم صوتاً يحميهم." وفي تلك اللحظة، خرجت من المقهى أصواتٌ من النسوة اللائي يتحدثن بحذر عن خطط الإخلاء، وأن بعض الجيران لم يتبقَ لديهم شيء. كان اللقاء صادماً: ليس الأمر مجرد خلافٍ بين شركةٍ كبيرة وحيٍ فقير؛ بل هو صراع على وجود الناس في الأرض التي يعتبرونها موطنهم.
وبينما هم يتحدثون، ظهر في الممرّ شابٌ من الحي يُدعى ساري، صديق نور القديم. قال: "نور، وجدت شيئاً في الحي يجعل القصة أقوى." فسألته: "ماذا وجدت؟" قال وهو يلهث قليلاً: "وجدت مجموعة من الرسائل القديمة بينع الحي، تتحدث عن تعهدات الدولة بالحفاظ على المساحات العامة وتوفير السكن للمستأجرين. لكن في السجلات أيضاً وجود اتهاماتٍ بأن بعض الشركات استقدمت بنودٍ قانونية ضعيفة لإجلاء الناس." نور شعرت بقلقٍ وحماس في آنٍ واحد: القصة يمكن أن تكون أقوى إذا تم التحقق من كل تفاصيلها.
الحقيقة تقلب الموازين
توجهت نور إلى عمر، وطلبت منه أن يُطلعها على ما وجده. قال لها: "هذه رسائل من مديرين ومهندسين؛ هناك تداخل بين سياسة المدينة وتلك الخطة التي تهدف إلى تمكين السوق". وبدأت نور في النشر تدريجياً: قصص الناس، وأصواتهم، والأدلة التي جمعها عمر. وأظهرت مدونتها—مع مشاركةٍ من عمر وعدد من السكان—أن هناك توجهًا لإخلاء الناس من منازلهم وتوفير أماكن بديلة ليست كافية، وأنه يوجد ممثلون عن الشركة الكبرى يحجون إلى المجلس المحلي بمطالب تُقلل من حقوق السكان.
في إحدى الأمسيات، وصلت نور رسالة صوتية على هاتفها من أمينة أم نور، تشرح فيها أمينة القصة: "ابنتي، لا تفقدي الأمل، لكن كوني حذرة. القصة كبيرة، والتغيير يحتاج إلى صبر وتعاون." وبمرور الأيام، استجاب المجلس بلجنةٍ جديدة وبإجراءاتٍ تخصّ حماية المستأجرين وتوفير بدائل سكنية وتجميل المساحات العامة. ومع ذلك، كانت النتائج غير كاملة ولازالت هناك مسافاتٌ كبيرة بين الكلام والواقع. أصبح نور مرتبطة بمهمةٍ لا شأن لها: أن تبقي على تواصل الناس وتُظهر الحقيقة كاملةً، بلا تضليل، بلا تبسيط، بلا خوف.
الخيط يربط الماضي بالحاضر
بعد أسابيع من العمل المستمر، اتجهت نور مع عمر إلى المكتبة القديمة. كانت الخريطة القديمة التي وجدت في الدفتر تتحدث عن مكانٍ محدد باسم "المبنى الأحمر" في نهاية شارع الرصيف. عند وصولهم، وجَدَا باباً حديدياً مغلقاً، لكن من خلال الزجاج ظهر مخطط داخله. بدا وكأن المبنى الأحمر يختبئ خلف جدارٍ من الحكايات: أخبارٌ عن صراعٍ طويل، وتجاربٍ عاشها الناس، وأمنياتهم في أن يحافظوا على وجودهم. قرروا أن يدخلوا المكان في يومٍ محدد، ليس بهدف المتابعة فقط، بل لاستكمال التوثيق: تسجيل صوت الناس، جمع الشهادات، وخلال تلك الرحلة، تعرفت نور على قصص جديدة من السكان، وتبين أن حكايات كثيرة لم تُروَ من قبل.
خلال ذلك، قفزت أمام نور فكرة أن تكتب في مدونتها سلسلة مقطوعاتٍ قصيرة: "من الحي إلى العالم" یا "أصوات من الحي". ستعتمد السلسلة على شهادات السكان، وتوثيقاً لرحلة الحي، من باب الحي إلى باب المجلس المحلي، إلى المدينة ككل. رأت في هذه السلسلة فرصةً لإبراز قصة الإنسان العادي، من دون مبالغةٍ أو سعيٍ وراء الإثارة. وكانت تلك الخطة هي الطريق الأمثل للحفاظ على وجود الحي وتذويد صوته في عالمٍ يسابق السوق.
النهاية ليست نهاية، لكنها بداية جديدة



تعليقات
إرسال تعليق