حديقة الحكايات في مدينة النسيم

 

 


تعريف✓

هذه قصة عن أصدقاء من حيّ بسيط، يتعلمون أن التعاون يجعل الأحلام ممكنة، وأن الاختلاف في الألوان واللغات والتقاليد يثري المجتمع لا يقسِّمه. تدور أحداثها حول حديقة مهجورة يقررون تحويلها إلى مكان يجمع الناس حول القصص، العمل معاً، وتعلم قيم العطاء والاحترام والتضامن.


البداية✓


 الحلم في الحارة الصغيرة

كانت مدينة النسيم تجمع بين الأزقة الضيقة والبيوت البيضاء العالية والنوافذ الملونة. في نهاية شارع الطيبين، كان هناك قطعة أرض مهملة يغطيها العشب القصير والنباتات البرية، كأنها تنتظر عالماً يحبها ويهتم بها.


عند المدرسة الشعبية، التقى أبطالنا وهم يتدافعون بين أقدامهم وأحلامهم الصغيرة. منى، فتاة ذات شعر كستنائي وبراعم فضول لا يهدأ، تشاركها في الصف صديقها عمر، ولد يحب القصص المصوّرة ويملك قلباً كبيراً. كانا يجدان دائماً طريقة ليُخرجا من الحصة بسؤال: “كيف يمكن لهذا المكان أن يعود حيّاً؟”.


في الطريق إلى البيت، كانا يمران بجانب الأرض المهملة. تراءى لهما صوتٌ داخلي يقول: لماذا لا نجعل من هذه القطعة مكاناً يلتقي فيه أطفال الحيّ، وتُطلق فيه قصص الناس وتبادلهم؟


 أصدقاء من ألوان مختلفة

في اليوم التالي، اجتمع منى وعمر مع أصدقائهما في ساحة البلدة: سُلمى المعلمة الشابة التي تقود نادي القصص، ومحمود الذي يحب الزراعة، وفاطمة جدة الحي التي تعرف أسماء كل شجرة في المدينة.


قدموا فكرة “حديقة الحكايات” كأول مشروع يحوّل الأرض المهملة إلى مكان يلتقي فيه الجميع: أطفال من أصول مختلفة، عابري طرق، عائلات من خلفيات متعددة. كان لدى كل واحد منهم فكرة خاصة: منى تريد منطقة قصصية تقرأ فيها الكتب للمجموعة، عمر يفكر في مسرح صغير يقدّم عروضاً، سلمى تقترح قصصاً من ثقافات متنوعة، ومحمود يرغب في زراعة خضار وفواكه يشاركها الجيران.


واجهتهم بعض الصعوبات الأولى: قلة المال، والتشكيك من بعض أصحاب الأراضي، وخوف الأطفال من التعرّض للسخرية. لكنهم قرروا أن يبدأوا بخطوات بسيطة: تنظيف الأرض، جمع كتب قديمة، وزراعة بعض الزهور.



لغات وقصص لا تُحصر

عندما بدأ العمل يتقدم، جاءت عائلة جديدة إلى الحيّ: عائلة علي من بلد بعيد يفهمون العربية بطلاقة لكن لهم لهجات مختلفة تحمل كلمات من لغتهم الأم. ابنههم خالد يحب الرسم وعنده فضول كبير عن القصص. في إحدى الأمسيات، جلس الأطفال حول فنجان شاي من الأجداد وبدأت أم خالد تروي حكايات من بلدهم، وتلونت القصة بألوان لا يعرفونها.


قرّروا أن تُصبح حديقة الحكايات مكاناً يشارك فيه الجميع قصصهم بلغاتهم المختلفة، مع ترجمة بسيطة في لوحات ملونة تعلّق على الحائط. بدأوا يعملون على قسم “القصص المتعددة اللغات” حيث يكتب الأطفال جُزءاً من القصة بلغتهم ثم يترجمونه بالعربية وبالعكس. أحبّ خالد أيضاً أن يضيف رسومات نابضة بالحياة.



الأرض التي تعطي بلا مقابل

مع مرور الأسابيع، بدأ العمل في الحديقة يتّسع. وضعوا منطقة للزراعة المختلطة، منطقة للقصص المفتوحة، ومكاناً للعب آمن، وكل ذلك يدار من قِبل طاقمٍ متنوع من المتطوعين. كانت الفكرة الأساسية أن الحديقة تكون “مقابل الصدقة”: حين يعطي أحدهم وقتاً أو كتاباً أو بذرة، يأخذ من الحديقة دفقة من السعادة من خلال لقاء مع الجيران.


عُرِضت الفكرة على المجلس المحلّي كحدثٍ صغير: يوم “التبادل” حيث يأتي الناس بكل ما يمكنهم المشاركة به، مثل بذور، كتب، أو قصص حيّة، ويأخذون مقابلها ما يحتاجونه من الحديقة. صغار الحيّ تعلموا كيف يخطّطون، يرسمون، ويصفون ما يحتاجونه من أشياء. وفي يوم الافتتاح، حضر الكثير من الأهالي وتبادلوا الهدايا والقصص.

.


يوم الحكايات الكبير

بعد أسابيع من العمل الشاق، جاء اليوم الذي قرر فيه الجميع تنظيم يوم حكايات كبير ليظهروا للعالم أن التغيير يمكن أن يبدأ بقطعة أرض بسيطة وبأصوات كثيرة.


كان هناك مسرح بسيط أُقيم على العشب، ورش عمل للتلوين، وقصة جماعية تُحكى من أكثر من راوي. ارتدى الأطفال أزياءً من ثقافات مختلفة، وتشاركوا الأغاني والقصص من بلادهم. أمينة، المعلمة التي تقود النادي، قالت: “هذه الحديقة ليست فقط مكاناً للزراعة أو للقراءة؛ إنها مكان يُظهر كيف يمكن أن نمزج أصواتنا لنصنع صوتاً واحداً يليق بالإنسانية.” وفي نهاية اليوم، وضعوا لوحة تقول: “نحن هنا معاً، رغم اختلافاتنا”.

.


 التحدّي الجديد

بعد خمس خطوات كبيرة نحو الأمام، جاء تحدٍ جديد: المدينة أعلنت عن مشروع حارات جديدة في المنطقة المجاورة، ما يعني احتمال إزالة جزء من الحديقة أو إعادة تصميمها. شعر الجميع بالقلق، وبدأ الأطفال يفكرون كيف يمكنهم حماية مكانهم. قرروا تنظيم جلسة مع أهالي الحيّ والسلطات، وتقديم مقترحات تحافظ على الحديقة وتفتح أبوابها أمام مشاريع أخرى للعناية بالبيئة.


هذا الفصل يعلّم الأطفال أن المشاركة لا تعني التسليم، بل تعني العمل معاً لإيجاد حلولٍ تحقق العدالة للجميع. في النهاية، اتفقوا على إعادة تصميم جزء من الأرض بما يحفظ المساحة الخالية ويضيف إليها مساحات خضراء جديدة، وتطوير برامج بيئية صغيرة تعلّم السكان الحفاظ على الطبيعة.



 البحر من حولنا

مع مرور الوقت، أصبحت الحديقة مكاناً للعديد من الأنشطة: دروس موسيقى بسيطة، ورش حياكة للأمهات، وتبادل قصص من البلاد المختلفة. الأطفال صاروا يروون قصصهم بأساليب متعددة: بالتمثيل، بالرسم، وبالقص. تعلموا كيف أن العالم يكبر عندما يتعلمون الإصغاء لبعضهم، وكيف أن العمل معاً يجعل الأحلام أقرب إلى الواقع.


كان هناك يومٌ خاص يُدعى “يوم البحر من حولنا”، حيث صنع الجميع نموذجاً لممر مائي بسيط يمر عبر الحديقة ويربطها بمكان المدرسة. قال أحد المعلمين: “هذه الحديقة ليست مكاناً للنموّ فقط، بل هي مدرسة حقيقية تعلمنا أن الحياة مشتركة وأن الطبيعة توصلنا إلى السلام”.



 نهاية مفتوحة، بداية جديدة

في نهاية الصيف، وقف الجميع أمام الحديقة، يتذكرون كيف بدأت فكرة صغيرة وتطورت إلى مكان يعكس قيمهم. صار لكل زاوية من الحديقة اسم يحكي قصة: زاوية القصص، زاوية الزراعة، زاوية الحكايات المتعددة، وزاوية البحر. تعلّموا أن الحكايات لا تنتهي عند نهاية الفصل، بل تستمر في كل يوم عندما يختار الناس أن يساعدوا غيرهم وأن يستمعوا إلى اختلافاتهم. قالوا في النهاية: “حديقة الحكايات ليست مكاناً محدداً، بل هي سلسلة من القصص التي نكتبها نحن معاً”.


الخاتمة

هذه القصة الطويلة للأطفال تبيّن كيف يمكن أن تنمو الحكايات الكبيرة من أفكار صغيرة، وكيف أن التعاون والاحترام والتنوع يجعل المجتمع أقوى وأجمل. 


تعليقات

المشاركات الشائعة