حين يوقظنا الصمت
قصة اجتماعية بثلاثة أجزاء
في المدن المزدحمة بالخطى والوجوه، تتخفّى القصص خلف صمت الناس. لا تحتاج بعض الحكايات إلى أسماء كي تُروى، يكفي أن نرى انعكاسها في حياتنا لنفهم معناها. وهذه إحدى تلك الحكايات، مقسّمة إلى ثلاثة أجزاء، يجمعها همّ واحد: البحث عن معنى في الحياة.
: ثقل الوحدة
كان يعيش وحيداً في غرفة صغيرة فوق سطح بناية قديمة. لم تكن الوحدة مجرد فراغ حوله، بل فراغ داخله أيضاً. يستيقظ كل صباح على نفس المشهد: جدران صامتة، نافذة تطل على مدينة لا تراه، وأمنيات معلّقة في الهواء دون أن تقترب.
يمشي بين الناس كأنه ظلّ، يقدّم للعالم ابتسامة مجاملة يحفظها جيداً، رغم أنها لم تعد تشبهه. العمل قليل، الأصدقاء أبعد مما كانوا، والأحلام أصبحت تشبه صوراً باهتة في ذاكرته. ومع ذلك، كان يتمسك كل يوم بأمل خافت لا يعرف مصدره، ربما لأن السقوط الكامل مخيف أكثر من البقاء واقفاً.
: شرارة الأمل
في صباح بارد، جلس على مقعد خشبي أمام محل مغلق، يفكر في اتجاهات لا تقوده إلى أي مكان. وبينما هو غارق في شروده، رأى طفلاً صغيراً يحاول رفع صندوق أثقل من جسده النحيل. توقّف لوهلة، ثم نهض وساعده دون أن يفكر.
ابتسم الطفل وقال ببساطة:
"كنت أعرف أن أحداً سيساعدني."
ترددت الجملة داخل قلبه طويلاً. لم يكن يتوقع أن كلمة صغيرة من طفل يمكن أن توقظ فيه شعوراً ظلّ غائباً لسنوات. أدرك فجأة أنه ما زال قادراً على أن يكون نافعاً، وأن قيمته لا تُقاس بما يملك، بل بما يعطي.
تلك اللحظة الصغيرة كانت الشرارة التي أعادت إليه شيئاً من الضوء.
: بداية جديدة
في طريق عودته، شعر بأن خطواته أصبحت أخفّ. لم تتبدل الظروف، لكن نظرته إليها تغيرت. فهم أن الحياة ليست دائماً سلسلة من المكاسب والخسائر، بل هي تفاصيل صغيرة تذكّرنا بأننا جزء من هذا العالم مهما شعرنا بالعزلة.
عاد إلى غرفته القديمة، لكنه دخلها هذه المرة بشعور مختلف. وجد في داخله استعداداً جديداً للحياة، وكأن الطفل الصغير أعاد إليه شيئاً أخذه الزمن: الإيمان بأن التغيير يبدأ من لحظة، ومن فعل بسيط يفتح باباً كان مغلقاً.
أصبح يدرك أن الصمت، مهما طال، يمكن كسره بابتسامة، بكلمة، أو بخطوة نحو الآخرين. وأن كل إنسان، مهما كان ضعيفاً أو وحيداً، يحمل داخله قدرة على بداية جديدة… فقط يحتاج إلى شرارة توقظه.



تعليقات
إرسال تعليق