دقّات لا تنسى

تعريف✓

تركّز القصة على شاب يُدعى سليم يعمل في إصلاح الساعات، ويحمل ساعة يدويّة ورثها عن والده الراحل. الساعة ليست مجرد أداة لقياس الوقت. هي رمز للذكريات، والحب، والجذور التي تربطه بالماضي. كل دقّة تمثّل خطوة جديدة في حياته، وكل خدش على زجاجها يحكي حكاية تعب وصبر.

مع تغيّر المدينة ومحاولات الحداثة ابتلاع كل ما هو قديم وأصيل، يجد سليم نفسه يقاتل من أجل الحفاظ على ما تبقّى من ماضيه. الساعة تتوقف كأنها تتألم مثله. وفي لحظة فارقة، تأتي فتاة تُدعى هالة بساعة تخصّ والدتها، تطلب أن تستعيد نبضها. هذه المهمة تعيد الأمل لسليم وتذكّره بقيمة ما فقد وما لا يزال يملكه.


البداية ✓

“دقّات لا تنسى”

في مدينة هادئة تطلّ على البحر، عاش شاب اسمه سليم. لم يكن يمتلك الكثير من المال، لكنّه كان يمتلك شيئاً له قيمة تفوق أي كنز. ساعة يدويّة قديمة ورثها عن والده. كانت الساعة تعمل بآلية ميكانيكية دقيقة، صوت عقاربها يشبه دقات قلب حيّة، والزجاج المحيط بوجهها قد تهشّم في الزوايا مثل ندوب مرّ عليها الزمن.

هذه الساعة كانت آخر ما تركه له والده قبل أن يرحل عن الدنيا. قال له يومها:
“طالما هذه الساعة تعمل، ستظلّ خطواتك في هذه الحياة موزونة وحقيقية.”
ظلّت هذه الكلمات محفورة في ذاكرة سليم.

سليم كان يعمل في ورشة إصلاح الساعات عند رجل عجوز اسمه الميقاني. شخصية صارمة وملامحه قاسية قليلاً، لكن قلبه ألين من الحرير. كان يرى في سليم شغفاً نادراً، وكأنه ولد من أجل فهم نبض عقارب الوقت. كل الناس في المدينة كانوا يعرفون أن أفضل من يصلح ساعاتهم هو ذلك الشاب الذي يحمل ساعة قديمة على معصمه دائماً.

مرّت السنوات، وكبر سليم، لكن الساعة بدأت تتعب. توقّفت مرة ثم عادت. ثم بدأت تتأخر عن الوقت الصحيح. حاول سليم إصلاحها، إلا أن كل محاولة كانت تبوء بالفشل. في ليلة باردة، جلس أمامها وابنه في داخله كان ينهار:
“كيف تعجزين الآن؟ أنت أكثر ما يربطني بأبي.”
ولوهلة شعر أن عقاربها تستجيب، توقفت تماماً، كأنها تقول له شيئاً.

المدينة لم تعد هادئة كما كانت. ظهرت شركة أجنبية تبني ناطحات زجاجية وتشتري المحلات التقليدية. أعلن الميقاني أن ورشته الصغيرة ستُهدم قريباً. ضاعت ملامح الماضي تحت جرافات الحداثة، وبدأ سليم يشعر أن كل شيء يُنتزع منه، حتى الزمن نفسه.

في اليوم الأخير قبل الإغلاق، دخلت فتاة تُدعى هالة تحمل ساعة نسائية بالية. قالت بصوت خجول إنها كانت لوالدتها. كانت مكسورة تماماً، عقاربها اختفت، وسوارها مقطوع. نظرت إلى سليم بعينين تطلبان المستحيل: “أريدها أن تدق من جديد ولو للحظة.”

شيء ما في طلبها أعاد الحياة في قلب سليم. تذكّر والده وكلامه عن الدقات الحقيقية. عمل طوال الليل، بين أصوات أدواته وتنهدات الخوف من الفشل. كان يصلح ساعتين في الوقت نفسه. ساعة والد هالة، وساعته هو، كأنه يحاول إنعاش الماضي كله.

مع أول خيط للفجر، عاد صوت العقارب. دقّة واحدة، ثم ثانية. سليم جثا على الأرض من شدة الإرهاق والسعادة معاً. الساعتان عادتا للحياة.

دخل الميقاني وتفاجأ بما رأى. نظر لسليم نظرة فخر لا تُنسى. قال له:
“أنت لم تتعلم إصلاح الساعات فقط. أنت تعلمت كيف تعيد للوقت روحه.”

قدّم سليم الساعة لهالة، فرحت كثيراً وابتسمت بتأثر، وكأنها التقت بوالدتها من جديد. ثم نظرت إلى ساعة سليم وابتسمت:
“ما دام هناك من يحمي ذكرياتنا، لن يتوقّف الزمن عن الدق.”

بعد فترة قصيرة، افتتح سليم ورشة خاصته قرب البحر. كان يعلّق على جدارها لوحة تقول:
“الوقت لا يعود، لكن يمكن إصلاح ما كسره في قلوبنا.”

وظلت ساعة والده على معصمه لا تفارقه. كانت لا تزال تحمل ندوب الماضي، إلا أن صوتها بات أقوى من قبل، مثل قلب تعافى بعد حزن طويل. وكلما سمعها، تذكر أباه وكل من رحل، وتذكر أن الزمن مهما كان قاسياً، تبقى دقّاته تحمل فرصة جديدة للبدء.


.

تعليقات

المشاركات الشائعة